خليل الصفدي
311
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
ما يكون الصاحب صاحبا حتى يعرق جبينه مع صاحبه في جهنم ، فقال القاضي : بلى يا وجيه الدين ، صرنا معك قشلمشا وما ترضى . ويقال إنّه عمل تاريخا للملك الظاهر ووصل نسبه بجنكزخان ، فلمّا وقف عليه قال : هذا يصلح أن يكون وزيرا ، اطلبوه ، فطلب وبلغ الخبر الصاحب بهاء الدين ابن حنّا فسعى في القضية إلى أن أبطل ذلك ، وناسى السلطان عليه ، فبقي في القاهرة يركب كلّ يوم ويقف في باب القرافة ويمشي قدّام الصاحب إلى أن يوصله بيته وافتقر حتى لم يكن له غير البغلة لركوبه ، وكان له عبد يعمل بابا « 1 » ويطعمه ، والشيخ بهاء الدين ابن النحاس يؤثره ، ومع ذلك فلا يحنو عليه الصاحب ولا يحنّ إلى الإحسان إليه ، حتى فاوضه الدوادار وقال له : إلى متى يبقى هذا على هذه الحالة ؟ فجهّز إلى مكانه بدمشق على القضاء . وحضر إليه وهو بالقاهرة عز الدين محمد بن شداد بكتب فقارس من الغور « 2 » وانتقالها إلى الظاهر وقد ثبتت عليه بالشام وطلب منه الإشهاد عليه بما فيها لتثبت بمصر ، قال : كيف أشهد عليّ ؟ قال : يأذن لك قاضي القضاة ابن رزين . فقال : لو كنت موليا ما كنت آذن له ، أفأكون مولّى من جهته ، هذا لا يكون أبدا . واطلع الظاهر على ذلك فعظم عنده وتحقق شرف نفسه . وأمر له بدر الدين بيليك الخزندار تلك الأيّام بألفي درهم ومائة إردب قمح فأبى من قبولها وتلطف معه « 3 » مع القاصد ، فقال : تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها ، ولم يقبل وأصرّ على الامتناع مع الفاقة الشديدة . وكان له ميل إلى بعض أولاد الملوك وله فيه الأشعار الرائقة ، يقال إنّه أول يوم جاء إليه بسط له الطرحة وقال : ما عندي أعز من هذه ، طأ عليها ، ولمّا فشا « 4 » أمرهما وعلم به أهله منعوه « 5 » الركوب فقال :
--> ( 1 ) ت : بناء . ( 2 ) ت : وكان يكتب قمارش من الغور ؛ م : بكتب فقارس من الغور ؛ د : من العشور . ( 3 ) معه : سقطت من ت . ( 4 ) م د ت : فشاع . ( 5 ) ت : فمنعوه .